الجنيد البغدادي

129

رسائل الجنيد

والصدق على ثلاثة أشياء : صادق بلسانه ، وهو القائل بالحق له كان أم عليه بخروجه عن التأويل والتدليس ، وصادق في فعله ، وهو الباذل للمجهود من نفسه بإخراج وجود راحته ، وصادق بقلبه وهو القصد إليه في فعله . فعند وجود هذه الخصال يكون صادقا ، مع أن الصدق موجود من الصادق في كل حال لا يستغني عنه في حال من الأحوال ، وقد فسرت جملة في أول الكتاب ، فالصدق في التورع والتزهد والزهد والتوكل والرضا والمحبة والشوق والتوحيد لأهل الصلاة ، في طبقات المريد والمراد ، والذاكر والمذكور ، وكل ذلك لا بد من أن يتولد له شاهد ظاهر يشهد له بالصدق . ومعنى الإخلاص إفراد النية للّه تعالى وحسن القصد إليه ، بحضور العقل عند موارد الأشياء ، وبيان تلوين الأمور عليه ، بما وافق الأول في معنى صحة قصده ، ورد ما خالف ذلك من موارد النفس والعدو ، مع ذهاب رؤية النفس مع وجود رؤية المنة ، مع وجود حسن العزاء عند المذمة من الخلق « 1 » ، لوجود حسن المعرفة بالفضل ، ووجود الكراهية عند المحمدة ، لخوف فساد المعرفة لذهاب رؤية الخلق عند مصادفة الأحوال ، فهذا علم مشهود عند شاهد المخلص معدوم عند شاهد الخلق . فالصدق والإخلاص يتفقان عند حال المخلص ، وينفرد الصدق بالصادق ، مع أول وجود الإخلاص ، فغاية وصف الموصوفين بالعبودية في الاستعباد هو الإخلاص ، والصادق في حقيقة صدقه يتولى بالإخلاص ، والمخلص في حقيقة إخلاصه يتولى بالكفاية ، لوجود نفاذ البصيرة ، وذو البصيرة في حقيقة نفاذ بصيرته يتولى بالحياطة من جميع ما يخشى فساده ، ثم وقع الاستيلاء بالتولي بعد ذلك ، فقهر العقل فأفناه عن مقاومة الواجد . فعند وجود حقيقة التولي بالخصوصية ، خرج عن « 2 » عبادته للّه بالنفوسية ، ودخل في عبادته عز وجل بالوحدانية ، فكان ذلك أول وجوده حقيقة توحيد الخصوص ، بذهاب رؤية الأشياء لقيام رؤية الحق ، فجرت الأحوال عليه في مجارى

--> ( 1 ) وردت في ( ط ) ، وفي ( خ ) : الحق . ( 2 ) وردت في ( ط ) ، وفي ( خ ) : خرج من .